الاثنين، 19 يناير 2026

المنهج المعاصر للإدارة الاستراتيجية – مهدي الجهجاه

 

المنهج المعاصر للإدارة الاستراتيجية مهدي الجهجاه




 

    يتصف المنهج الحديث للإدارة الاستراتيجية بالتعقيد والشمول واستخدام العديد من الادوات والمصفوفات الذكية والتفكير التصميمي والمنظومي, ويؤمن بمرونة الفكر وخفة التوجه. في المقابل, يشدد على ملائمة الدقة والوضوح وذلك بسبب ما تعكسه بيئة الأعمال الديناميكية والمعقدة وغير المستقرة التي نعيشها اليوم, والتحديات التي تمر بها المنظمات والدول وغيرها, ومن أهم هذه الخصائص ما يلي:

التفكير الاستراتيجي بدلاً من التخطيط: على الرغم من ان التخطيط الاستراتيجي والتخطيط التنظيمي لا يزالا اداة هامة في ميدان الادارة والاعمال, الا ان المنهج المعاصر يركز على التفكير الاستراتيجي وادوات الاستشراف الاستراتيجي والتخطيط بالسيناريوهات, التي تسهم في تبني اكثر من خطة واحدة ورسم اكثر من مشهد من الممكن تؤل اليه الظروف.

الادوات الذكية بدلاً من المصفوفات التقليدية: يؤمن الفكر الاستراتيجي الحديث بالأدوات الذكية والرقمية التي تقدمها انظمة الذكاء الاصطناعي والمساعدات الرقمية المعاصرة, ويظهر ان القادة الاستراتيجيون المعاصرون يؤيدون هذا التوجه بصورة كبيرة من خلال استخدامهم الواسع لمثل هذه الادوات. في المقابل, لا يمكن لنا كاستراتيجيين التنازل عن المصفوفات السابقة حتى الان لما لها من نتائج جيدة الى حد ما واكثر اطمئنان من الادوات الرقمية الذكية بالرغم من ان الاخيرة ذات قدرات فائقة جداً.

التركيز على الابتكار وريادة الاعمال: يتفق الاستراتيجيون ان العالم اليوم يحركه عنصرين هامان هما الابتكار وريادة الاعمال فكلاهما يكمل الاخر ويعتبران محرك استراتيجي لدفع الاعمال وحياة الناس نحو التقدم, لذا اصبحت المنظمات المعاصرة تشجع الابتكارات والتجريب وتعطي مساحة واسعة النطاق للتفكير الريادي والتفكير الحر وتقديم نماذج اعمال ابداعية (واقعية, رقمية, وافتراضية) وطرح خدمات ومنتجات فريدة لجمهورها كجزء من اجندتها ورؤاها الاستراتيجية.

موجه نحو اصحاب المصلحة: يراعي المدخل المعاصر للإدارة الاستراتيجية الاهداف والمصالح المتخلفة لأصحاب المصالح (الملاك, الحكومات, الزبائن, الموظفين, المجتمع, الموردين وغيرهم) على اختلاف تطلعاتهم. وتسعى الادارة الاستراتيجية الحديثة الى خلق قيمة مشتركة وتوازن دائم بين بين تطلعات ومصالح هذه الفئات المختلفة معنوياً ومالياً.

التوجه الديناميكي والتكيفي: لم يعد ينظر الى الادارة الاستراتيجية كخطة ثابتة ومستقرة, بل يرى خبراء الاستراتيجية ان الظروف البيئية شديدة المنافسة لم تعد تسمح للاستراتيجية الناجحة البقاء اكثر من شهر دون تعديل او تصحيح لمسارها وعليه يؤكد الفكر الاستراتيجي المعاصر بمراجعة الاستراتيجيات باستمرار وتكييفها استجابة للتغيرات المتسارعة التي تطرأ على البيئة التنظيمية سواء في الاسواق والتكنولوجيا المستخدمة او تطلعات الزبائن ورغباتهم, ويعني ذلك ان الاستراتيجية بوصفها عملية تكيفية، ناشئة، ومتجددة باستمرار وليست خطة ثابتة.

التوجه نحو العالمية: يعتقد المنهج المعاصر للإدارة الاستراتيجية ان المشهد التنافسي الحالي هو انعكاس للعولمة والمنافسة الدولية والمنصات الرقمية العالمية, بالإضافة الى دور التحالفات الاستراتيجية في ذلك, لذا من المبدأ الذي دائماً ما نؤكد عليه وهو (ان لم نستعد للمنافسة ستأتي هي الينا), يحث التوجه الاستراتيجي المعاصر المنظمات الى الدخول الى المنافسة العالمية وتوسعة الحصة السوقية من خلال استهداف فئات اخرى في اماكن اخرى من اقتصاديات اخرى, او عن طريق خلق محيطات زرقاء (اسواق جديدة) بدلاً من المنافسة في نفس المجال.

المرونة والرشاقة الاستراتيجية: في الفكر الكلاسيكي للاستراتيجية وتحديداً في مدرسة ألفريد تشاندلر كان يفترض ان (الهيكل بتبع الاستراتيجية), بمعنى ان التغيير في استراتيجية المنظمة يؤدي الى تغيير في هيكلها التنظيمي وهذا صحيح الى حد ما في البيئات المستقرة, اما الفكر الاستراتيجي المعاصر يؤمن بتبني هياكل مرنة واستراتيجيات رشيقة تسمح بالاستجابة السريعة للفرص والتهديدات التي تطرأ في ميدان الصناعة, بما في ذلك القدرة على تغيير المسار عند الضرورة, الهيكل والاستراتيجية في هذه البيئات الديناميكية يتفاعلان ويتطوران معاً.

تشاركية القرارات: تتسم الادارة الاستراتيجية المعاصرة بانها عملية تستخدم الادوات التحليلية المتقدمة لتفسير البيانات الضخمة ومعالجتها بما في ذلك التقنيات الرقمية وادوات الذكاء الاصطناعي واساليب دعم القرار الاخرى لتحسين القرارات المتخذة, فعلى العكس من الادارة الاستراتيجية التقليدية التي يتمحور القرار في انماط مركزية ذات سلوك هرمي من أعلى الى أسفل, واعتمادها على اساليب تجنب المخاطر وادارتها. تركز الادارة الاستراتيجية الحديثة على ان تكون القرارات المتخذة موزعة وتشاركية بين المستويات التنظيمية المختلفة اذ تؤمن ان القرار قد يتشارك فيه مندوباً في الشارع مع المدير التنفيذي للمنظمة, كما ان محلل البيانات ومبرمج انظمة الذكاء الاصطناعي قد يساهموا في تعديل الاستراتيجية وفق ما يتم تحليله من البيانات البيئية.

الميزة التنافسية المؤقتة: (الايمان بموقوتيه المزايا التنافسية) يجب ان نقول انه ليس هناك ميزة تنافسية مستمرة لمنتج, ولن يكون هناك استدامة تامة لميزة في ظل المنافسة الحالية الاخلاقية والغير الاخلاقية الا لفترة من الوقت, ولكن الميزة التنافسية المستدامة والمستمرة اليوم تنبع من (العلامة التجارية) وليس من المنتج أو الموقع التنافسي, قد يحدث ابتكار منتج جديد ميزة تنافسية ولكن سرعان ما يتم تقليده من قبل المنافسون او من خلال طرح منتجات بديلة منافسة سواء بالجودة أو السعر او كلاهما, ولهذا ان الفكر الاستراتيجي المعاصر يركز على الابتكار المستمر كمصدر رئيسي لتوليد المزايا التنافسية, وكذلك على سرعة التعلم واعادة تشكيل الموارد والمعرفة الاستراتيجية ودمجها وامتلاك القدرات الاستراتيجية والديناميكية.

صناعة المستقبل: يعتقد المنهج المعاصر للإدارة الاستراتيجية بإمكانية المساهمة في صناعة المستقبل بدلاً من النظرة طويلة المدى وهذا يعني الى الانتقال من استخدام اساليب التنبؤ بالمستقبل إلى اتباع نهج التأثير فيه والمساهمة في تشكيله, عن طريق استشراف الاتجاهات المستقبلية وتحديد مسار المنظمة, ويظهر ان الأدوات التي تستخدم في ذلك عديدة منها التفكير بالسيناريوهات (ويتم استخدامه ليس لاختيار سيناريو واحد فقط ولكن للاستعداد لعدة تصورات محتملة قد تحدث), المنطق التجريبي (يشير هذا الاسلوب الى البدء بما نملك بدلاً من الانتظار, ثم التحسين التدريجي), الريادة الاستراتيجية (تعمل على استكشاف واستغلال الفرص: من خلال التجديد الاستراتيجي, والتجديد المستدام, التجديد التنظيمي, واعادة تشكيل المجال, واعادة بناء نموذج العمل), ونهج القيادة الاستراتيجي الذكي (من خلال عدة تساؤلات منها: أي مستقبل نريد أن نصنعه؟ وما القرارات التي يجب أن نتخذها اليوم لفرضه؟), والقدرات الديناميكية (من خلال الاستشعار, والاقتناص, والتحول).

www.aljahjah.com


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المنهج المعاصر للإدارة الاستراتيجية – مهدي الجهجاه

  المنهج المعاصر للإدارة الاستراتيجية – مهدي الجهجاه       يتصف المنهج الحديث للإدارة الاستراتيجية بالتعقيد والشمول واستخدام العديد من ا...